نوقشت بجامعة سوهاج أطروحة دكتوراه أعدتها الباحثة سوزان أحمد عبد الغني، وحازت بها مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطباعة الرسالة وتداولها بين الجامعات.
تناولت الدراسة الخطاب الرسمي والشعبي والإعلامي لملفي «سد النهضة» و«الأزمة الليبية» واتجاهات النخب السياسية والإعلامية نحوهما.
وتكونت لجنة الإشراف من الدكتور شريف درويش أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، والدكتور صابر حارص أستاذ الصحافة بجامعة سوهاج، وناقشها الدكتور فوزي عبد الغني أستاذ الصحافة بجامعة سوهاج، والدكتور حازم البنا أستاذ الإعلام بجامعة المنصورة.
تدرج الخطاب من التحفظ إلى الاندفاع
تبين من نتائج الدراسة وجود تدرج واضح من التحفظ الرسمي إلى الاندفاع الشعبي في أزمة سد النهضة؛ إذ التزم الخطاب الرسمي بالهدوء الشديد والحذر الصارم، مبتعداً تماماً عن التصريح بالحرب ومكتفياً بالحلول السلمية والمفاوضات.

ثم خفت حدة هذا الحذر قليلاً في الخطاب الإعلامي الذي مارس مساحة أكبر في نقد الأطراف والتلميح بالقوة، ليزداد هذا التلميح في الخطاب الشعبي كنوع من المطالبة بمزيد من الحسم والحزم، ورغم ذلك التزمت كافة الخطابات الثلاثة بحدود «التلميح» دون القفز إطلاقاً إلى «التصريح» المباشر بالخيار العسكري.
ازدواجية التعاطي السياسي بين الملفين
وأبرزت الدراسة ازدواجية واضحة في فلسفة تعاطي الخطاب السياسي مع الملفين؛ ففي ملف سد النهضة استبعد الخطاب السياسي تماماً الحل العسكري حسمًا للموقف الرسمي، رغم محاولات شحن الرأي العام والدفع نحو الخيار العسكري من قِبل قوى المعارضة، والإخوان المسلمين، وبعض فئات الشعب استناداً إلى أن أزمة السد تعكس مؤامرة ضد مصر اشتركت فيها إثيوبيا وإسرائيل للإضرار بحصة مصر المائية.
أما في الأزمة الليبية فاستخدم الخطاب الرسمي التلويح القوي والمباشر بالقوة العسكرية، مبرراً ذلك بأن ليبيا تمثل امتداداً استراتيجياً وأمنياً مباشراً لمصر، وأن ما يؤثر فيها يمس الأمن القومي المصري بشكل مباشر وعاجل لا ينتظر التأجيل أو التفاوض.
أدوار الخطابات الثلاثة ونطاق اهتمامها
انحصر الخطاب الرسمي كلياً في إعلان المواقف المؤسسية وإدارة التفاوض، بينما اتجه الخطاب الإعلامي نحو شرح تداعيات الأزمتين وتفكيك تأثيراتهما على الأمن المائي والحدودي، في حين عكس الخطاب الشعبي القلق المباشر حول المستقبل المائي والتخوف من كلفة التبعات.

أسبقية كاسحة لسد النهضة في الخطاب
وأظهرت النتائج أسبقية كاسحة لسد النهضة بـ 1651 خطاباً مقابل 512 خطاباً للأزمة الليبية؛ إذ جاء السد كأولوية وجودية تمس حياة المواطنين وحقهم المائي المباشر، بينما حظيت الأزمة الليبية باهتمام رسمي مكثف لحماية الحدود الغربية، مقابل اهتمام أقل لدى الشارع لكونها أحداثاً تدور خارج الأراضي المصرية.
فسد النهضة يمس شريان الحياة المباشر للمواطن المصري، بينما يُنظر للأزمة الليبية كملف أمني إقليمي يحظى باهتمام رسمي مكثف يفوق الإقبال الشعبي.
تركيز الخطاب الرسمي والإعلامي في القضيتين
انصب الخطاب الرسمي في ملف السد على قواعد الملء والمفاوضات بنسب تجاوزت 90%، في حين ركّز الإعلام على حصة مصر المائية متقاطعاً مع الموقف الشعبي المترقب لأي مساس بأمن المياه.
تباين الأسلوب واللغة بين المستويات
أوضحت الدراسة تباينًا في الأسلوب واللغة المستخدمة عبر المستويات الثلاثة؛ فقد التزم الخطاب الرسمي بدبلوماسية ضبط النفس وسيطر عليه الأسلوب الهادئ والعقلاني بنسبة تجاوزت 97% في القضيتين، وانخفض فيه التلميح بالحل العسكري أو استخدام القوة إلى أدنى مستوياته في قضية السد (أقل من 9%) التزاماً بالمفاوضات، بينما ارتفع نسبياً في الملف الليبي (حتى 12.8%) نظراً للتهديد المباشر للحدود الغربية.

تصاعد النبرة في الخطابين الإعلامي والشعبي
جاء الخطاب الإعلامي بنبرة أكثر حدة، ومارس دوراً أكثر هجوماً ونقداً للأطراف الأخرى مقارنة بالخطاب الرسمي؛ حيث ارتفعت نبرة التلميح بالقوة في ملف السد لتصل إلى 21.4%، وحرص الخطاب الرسمي على تحميل الأطراف الخارجية (إثيوبيا وتركيا) المسؤولية المباشرة عن تعقد الأزمتين بنسب بلغت 72.9%.
أما الخطاب الشعبي فقد أظهر تحفزاً كبيراً ونقداً حاداً للموقف الإثيوبي، مع ارتفاع نبرة المطالبة بالحزم والتلميح بالقوة لتصل إلى 27.1%، متجاوزاً بذلك الخطابين الرسمي والإعلامي.
الموقف الشعبي من الملف الليبي والتبعات
وفي مقابل السخونة الرسمية تجاه ليبيا لحماية الحدود، أظهر الخطاب الشعبي اهتماماً أقل بالملف الليبي مفسراً ذلك بأن الأزمة تقع خارج الأراضي المصرية ولا تمس القوت اليومي للمواطن بشكل مباشر كما هو الحال في أزمة سد النهضة.
ورغم النبرة الحادة شعبياً في ملف المياه، تحفظ الخطاب الشعبي على تقديم أو اقتراح حلول محددة، بدافع التخوف من التبعات العسكرية وعدم وضوح البدائل المتاحة لديه.
خلاصة النتائج والمقارنة العامة
إجمالاً تظهر المقارنة أن الخطاب الرسمي التزم بالدبلوماسية والحلول السلمية والتفاوضية بنسب قياسية تجاوزت 90%، بينما لعب الإعلام دور الشارح والمحلل للأزمة، في حين عكس الخطاب الشعبي القلق المباشر على المستقبل المائي والتطلع لمواقف أكثر حزماً.

